علي بن أحمد المهائمي

613

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

تطلب في محبة اللّه ، وهي حاصلة في متابعة الرسول ( بقوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ) ، وأعظم المتابعة هي المتابعة في الدعوة إلى عبادة الحق وحده لا في هذه المظاهر والصور ، ( فدعا ) هذا المنكر ( إلى إله يصمد إليه ) أي : يحتاج إليه الكل ؛ لكونه واجب الوجود بالذات ، ولا يمكن ظهوره في مظهر ، وهو بظهوره في هذه المظاهر إنما ( يعلم من حيث الجملة ، ولا يشهدوه ) لقصور المظهرية ، والدليل عليه قوله : ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 113 ] ) ، والمشهود تدركه الأبصار ، ( بل هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ؛ ) لظهوره فيها فهو يدرك صورته فيها إدراك الشخص صورته في المرآة ، وإنما يظهر في المظاهر . ( فللطفه ) بها الموجب لتوجهه إليها وتجليه لها ، وهو سبب ( سريانه في أعيان الأشياء ) وهو يفيدها الصورة الوجودية والتدبير فيها ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) على نهج المشاهدة في هذه المظاهر ، ( كما أنها ) أي : الأبصار ( لا تدرك أرواحها ) ، أي : أرواح الأشياء ( المدبرة أشباحها ) ، ولا تدرك ( صورها الظاهرة ) من الحق فيها ، فلا تدرك بالأبصار من الأشياء صورة الحق ، وهي الصورة الوجودية ، وكذا الصورة الجسمية والنوعية والشخصية ، بل إنما تدرك هذه الصور بالعقل ، والمدرك بالبصر إنما هو الشكل واللون ، ( فهو اللَّطِيفُ ) من حيث لا يدرك بذاته ولا بصور ظهوره في المظاهر ، ( الْخَبِيرُ ) من حيث ظهوره بالأشياء ؛ ليعلم بالذوق ما فيها بعد علمه مطلقا ، وذلك أن ( الخبرة ذوق ) ولا ذوق لمحق في ذاته ؛ لأنه من جملة الحوادث ، فلا يكون له إلا بالاعتبارات تحصل لصورته الظاهرة في المظاهر . ولذلك نقول : ( الذوق تجلّ ) أي : حاصل من التجلي ، ( والتجلي ) وإن كان له في ذاته ، فهو لا يفيد الذوق الحادث فيه ، بل إنما يفيده التجلي ( في الصور فلابدّ منها ) أي : من الصور لهذا الذوق ، ( ولا بدّ ) للمتجلى ( منه ) أي : من الذوق ، إذ هو المقصود ، وقد علم الحق تجليه في المظاهر بالصورة الوجودية بحيث يتخيل القاصر ظهور ألوهيته فيها ، وهي موجبة للعباد ، فلابدّ أن يحصل ذلك له بالذوق ، وقد أوجب ذلك وظهر ذلك الوجوب في هوية المحبين إذا حجبوا عن المحبوب الحقيقي وتخيلوه فيها ، ( فلابدّ أن يعبده من رآه بهواه ) أي : يحبه بحيث يتخيله على كماله في بعض ما يراه ، لكن عبادته في ذاته مع عبادته في مظاهره إفراط ، والاقتصار على عبادة المظاهر تفريط ، ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [ النحل : 9 ] ) في عبادته وحده باعتبار ذاته وأسمائه بجمعه جميع الدرجات الرفيعة بلا إفراط ولا تفريط ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم .